اسماعيل بن محمد القونوي

245

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تَعْبُدُونَ [ الكافرون : 1 ، 2 ] كذا قيل « 1 » وفيه نظر لأن القول صريحا كان أو متضمنا فيه قد لا يقصد به الحكاية بل الذكر والنطق كما في قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ الكافرون : 1 ] فحينئذ يكون الخطاب الثاني من المخاطب الأول ولا يخفى عدم صحته هنا والقياس مع الفارق لأن في قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ الكافرون : 1 ] الخطاب من الرسول عليه السّلام وأما الخطاب في قوله : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الأنعام : 152 ] وغيره لا يصح كونه منه عليه السّلام كما صح في تلك السورة ولا يقصد به الحكاية فيلزم أن يخاطب في كلام واحد اثنان بدون تثنية أو جمع أو عطف فالصواب أن الخطاب هنا ما يكون مخاطبا بالخطابات الآتية فالإفراد هنا لكونه خطابا لغير معين فيعم « 2 » كالجمع فللتنبيه على جواز المسلكين أفرد الخطاب مرة وجمع أخرى . قوله : ( أو دونك أو نحوه ) دونك اسم فعل للإغراء والتحريض أي خذوا لزم سورة الخ وحاصله أتل واعمل بما فيها حذف اسم الفعل أجازه ابن مالك في قوله : أيها المانح ولوى دونكا أن يكون ولوى مفعول دونك آخر مضمر وادعى أنه مذهب سيبويه ولهذا جوزه الشيخان على أن الزمخشري إمام في العلوم العربية جوزه وقدمه على تقدير أتل لأن فيه مبالغة كما « 3 » أشرنا . قوله : ( فرضنا ما فيها من الأحكام ) ففي إيقاع فرضنا على السورة مجاز عقلي بملابسة الظرفية قوله من الأحكام وهي شاملة للحدود والفرض شامل للمنهي عنه لأن النهي عن الشيء مستلزم للأمر بضده والمراد بما فيها بمعظم ما فيها فلا إشكال بأن هذه السورة مشتملة أيضا على كثير من المباحات . قوله : وفرضنا ما فيها من الأحكام يعني إذ المفروض ليس نفس السورة كما يوهمه ظاهر الآية بل هو ما فيها من الأحكام الشرعية فتعلق الفرض إلى ضمير السورة من باب الاتساع والتعلق المجازي لملابسة بينها وبين ما فيها باشتمالها عليه قال الإمام فرضناها أي فرضنا ما بين فيها وإنما قال ذلك لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود فقوله فرضناها بمنزلة براعة الاستهلال لأن قوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ [ النور : 2 ] إلى آخر السورة من الأحكام كالتفصيل ونحوه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] مع ذكر فيما بعده .

--> ( 1 ) ومراده دفع ما قيل من أنه لا يخاطب في كلام واحد اثنان أو أكثر بدون تثنية أو جمع أو عطف ودفع بأنه لا خطاب في كلام واحد لاثنين بل الخطاب له عليه السّلام وسائر الخطابات محكي فلا محذور فيه كما في قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ الكافرون : 1 ] . ( 2 ) فإن قيل هذا العموم على البدل فلا يفيد ما يفيده الجمع قلنا قد يفيد العموم على سبيل الشمول عند قيام القرينة وهنا لما لم يختص الأمر بالتلاوة شخصا دون شخص كان عاما على سبيل الشمول كما قالوا في قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [ الأنعام : 27 ] الآية . ( 3 ) قوله كما أشرنا من أن فيه تنبيها على العمل بما فيها .